الأخبار

آدم سميث… الفيلسوف الذي أسس لاقتصاد الحرية

today31/08/2025

Background

رغم أن اسمه ارتبط ببداية علم الاقتصاد الحديث، فإن آدم سميث (1723-1790) لا يزال أقل حضوراً مما يستحق في الدراسات الأكاديمية المعاصرة. اشتهر سميث بكتابه المؤثر “ثروة الأمم” (1776) الذي أحدث ثورة فكرية في فهم النشاط الاقتصادي، حيث انتقل به من الرؤية المركنتيلية التقليدية، القائمة على قياس الثراء بكمية الذهب والفضة في خزائن الدولة، إلى تصور جديد يعتبر الإنتاج والتبادل الحر أساس الازدهار، وهو ما نسميه اليوم “الناتج المحلي الإجمالي”.

يرى البروفيسور إيمون باتلر، مدير معهد آدم سميث، أن هذا التحول كان جذرياً لدرجة يصعب معها وصف المنظومة الاقتصادية السابقة. فقد بيّن سميث أن التبادل الحر يفيد جميع الأطراف: المشتري يربح كما يربح البائع، وأن ثراء الأمم يتعاظم كلما كان المستهلك أكثر قدرة على الإنفاق، لا كلما افتقرت الشعوب.

نشأة وتكوين فكري

وُلد سميث في مدينة كيركالدي باسكتلندا عام 1723، وتوفي والده قبل ولادته، فتفرغت أمه لتربيته. أظهر منذ صغره شغفاً بالقراءة والرياضيات، وانتقل في الرابعة عشرة إلى جامعة غلاسكو، ثم إلى أوكسفورد بمنحة دراسية. هناك درس على يد فرانسيس هاتشيسون، الذي غرس فيه الاهتمام بالفلسفة الأخلاقية والسياسية.

وقد ساعدته رحلاته إلى جنيف وباريس على الانفتاح على أفكار مفكري التنوير، مثل ديفيد هيوم في اسكتلندا والفيزيوقراطيين الفرنسيين (كيني وتروغو)، ما عمّق اهتمامه بالشأن الاقتصادي ورسّخ لديه قيم الحرية الفكرية والاقتصادية.

كتب صنعت التاريخ

لم يكن سميث يتوقع أن يحدث “ثروة الأمم” هذا الأثر الكبير، لكنه قدم فيه رؤية مبتكرة عن طبيعة المجتمع البشري: حيث تقود الحرية والمصلحة الفردية، لا إلى الفوضى، بل إلى تناغم اجتماعي تلقائي أشبه بما سماه “اليد الخفية”. ولم يكن الكتاب مجرد دراسة اقتصادية، بل معالجة واسعة تشمل السياسة والأخلاق وعلم الاجتماع.

مع ذلك، لم يكن “ثروة الأمم” كتابه الوحيد المهم، فقد سبقه كتابه “نظرية المشاعر الأخلاقية”، حيث حاول أن يفسر كيف يشكل التعاطف الإنساني أساس أحكامنا الأخلاقية. وهنا تتجلى عبقرية سميث في المزاوجة بين المصلحة الفردية التي تحرك الاقتصاد والجانب الأخلاقي الذي يوجّه السلوك البشري.

بين الفلسفة والاقتصاد

لم يكن سميث من أنصار “رأسمالية البقاء للأقوى”، بل رأى أن المنافسة الحرة في ظل غياب الإكراه تؤدي إلى ازدهار عام، وأن رفاهية المجتمع، خصوصاً الفقراء، أهم من مصالح التجار أو الصناعيين. انتقد تحالف السلطة مع أصحاب النفوذ الاقتصادي، مؤكداً أن الحرية الطبيعية كفيلة بخلق نظام اجتماعي متوازن دون حاجة لقيود مصطنعة.

من الجوانب التي لم تنل اهتماماً كافياً في فكر سميث، ربطه الوثيق بين التعليم والتنمية الاقتصادية. فقد اعتبر التعليم جزءاً من البنية التحتية الضرورية لازدهار التجارة، ودعا الدولة إلى دعم التعليم الأساسي والديني وتشجيع دراسة العلوم والفلسفة والفنون.

إرث لا يزال حاضراً

رغم أن عالم سميث كان مختلفاً عن عالمنا قبل الثورة الصناعية، فإن أفكاره حول حرية العمل، والاستثمار، والتبادل لا تزال تشكل أساس الاقتصاد الحديث. وبرغم أنه لم يتنبأ بمشكلات مثل التلوث أو تضخم المال أو قوة النقابات، فإن تحليلاته وفلسفته في الحرية الاقتصادية ما زالت توفر حلولاً قابلة للتكيف مع أزمات الحاضر.

لقد كان سميث اقتصادياً بقدر ما كان فيلسوفاً أخلاقياً، ومفكراً جمع بين تحليل الطبيعة البشرية والبحث في سبل الازدهار، فاستحق أن يلقب بحق بمؤسس علم الاقتصاد الحديث وأحد أبرز فلاسفة التنوير.

وكالات

الكاتب: Rim Hasnaoui