كشف التقرير الوطني حول المؤسسات في تونس لسنة 2025، الصادر عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، أن المؤسسات الصغرى والمتوسطة تُعدّ الأكثر عرضة لمنافسة المؤسسات غير المنظمة، بنسبة بلغت 63,7 بالمائة، مقابل 36,9 بالمائة فقط بالنسبة للمؤسسات الكبرى، ما يعكس هشاشة هذا الصنف من المؤسسات داخل النسيج الاقتصادي.
هيمنة المؤسسات الصغرى تكشف هشاشة النسيج الاقتصادي
وفي تعقيبه على نتائج التقرير، أكد الأستاذ الجامعي الحبيب زيتونة، اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025، أن من أبرز خصائص الاقتصاد التونسي حالة التشرذم، مشيرًا إلى أن الغالبية المطلقة من المؤسسات الاقتصادية تُصنّف ضمن المؤسسات الصغرى جدًا، بنسبة تناهز 87 بالمائة، ما يجعلها الأكثر تأثرًا بالمنافسة غير المهيكلة. واعتبر أن هذه المعطيات تؤكد أن الاقتصاد التونسي لا يزال في جزء كبير منه غير منظم.
وأوضح زيتونة، خلال تدخله في برنامج «إيكو ماغ»، أن المؤسسات المهيكلة تمثل القاطرة الأساسية للصادرات، والقيمة المضافة، والتشغيل، إلا أن تونس لم تبلغ بعد مرحلة نسيج اقتصادي منظم وقادر على دفع النمو وخلق مواطن شغل مستدامة.
غياب «المصعد الاقتصادي» وضعف الاستثمار
وأضاف المتحدث أن تونس لا توفر بعد ما يُعرف بـ«المصعد الاقتصادي»، أي منظومة متكاملة تشجع على بعث المؤسسات والمبادرات وتجديدها وتطويرها، معتبرًا أنه لا يمكن بناء اقتصاد قوي بالاعتماد على شركات صغيرة فردية فقط. وشدد في هذا الإطار على أهمية الاستثمار وتسهيل تمويل المؤسسات حتى تتمكن من التصدير وخلق الثروة والنفاذ إلى الأسواق الخارجية.
كما أشار إلى وجود تفاوت جهوي واضح في بعث المؤسسات الصغرى والمتوسطة، مؤكدًا أن توفر هذا النوع من المؤسسات القادرة على التشغيل والاستثمار يشكل عنصرًا حاسمًا في تحسين مؤشرات التنمية المحلية والحد من الفوارق بين الجهات.
القطاع الخاص قاطرة الموارد الجبائية للدولة
كما بين الأستاذ الجامعي أن التقرير سلط الضوء على الأهمية الجبائية البارزة للقطاع الخاص، الذي يؤمّن في المتوسط أكثر من نصف الموارد الجبائية للدولة، من خلال مساهمته المباشرة في الضريبة على الشركات، إضافة إلى الأداء على القيمة المضافة والخصم من المورد على الأجور.
وفي المقابل، سجل التقرير تراجع عدد المؤسسات المصرّح بها لدى الإدارة الجبائية، وهو ما يُعزى، وفق الحبيب زيتونة، إلى عدة عوامل من بينها اعتبار المنظومة الجبائية غير منصفة ومعقدة، فضلًا عن ارتفاع الضغط الجبائي، ما يعكس هشاشة الإدماج الاقتصادي واتساع دائرة النشاط غير المنظم.
المؤسسات العمومية: كلفة مرتفعة ومساهمة محدودة في التشغيل
كما بين زيتونة، أن التقرير تطرق إلى الوضعية المالية الصعبة للمؤسسات العمومية، التي تبقى مساهمتها في التشغيل محدودة مقارنة بالكلفة المرتفعة التي تتحملها ميزانية الدولة. وأكد زيتونة في هذا السياق على ضرورة الإسراع بإصلاح حوكمة المؤسسات العمومية وتحسين نجاعتها الاقتصادية والمالية، قبل الخوض في مسألة خصخصتها.
وللإشارة فقد خلص تقرير المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى أن الاقتصاد التونسي يمر بمرحلة انتقالية دقيقة، تتسم بهيمنة المؤسسات الصغرى وضعف قدرتها على التطور نحو أحجام إنتاجية أكبر، إلى جانب تمركز العبء الجبائي على عدد محدود من المؤسسات المنظمة، واستمرار الضغط المالي للمؤسسات العمومية.
ودعا التقرير إلى بلورة عقد إنتاجي جديد يقوم على دعم نمو المؤسسات الخاصة، ولا سيما الصغرى والمتوسطة، وإصلاح منظومة المؤسسات العمومية، وإعادة إطلاق الاستثمار الصناعي والتكنولوجي، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق نمو شامل ومستدام، وتعزيز دور المؤسسة التونسية كمحرّك رئيسي للتنمية الاقتصادية.