الأخبار

إيران-أمريكا: لا يقين في “اليوم التالي”

today03/02/2026

Background

في هذه اللحظة الفارقة، لم يعد السؤال الحقيقي: هل ستقع الحرب بين واشنطن وطهران؟

بل: هل تعرف واشنطن ماذا ستفعل إذا وقعت؟

فحين يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن السفن “يجب أن تبحر في مكان ما… فلتبحر بالقرب من إيران”، يبدو المشهد للوهلة الأولى استعراضا للقوة، ورسالة ردع من النوع الذي تحبه الإمبراطوريات عندما تشعر أن الزمن يضغط عليها. لكن خلف هذا الاستعراض، تختبئ معضلة أكثر تعقيدا:

》كيف تتحول القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية… من دون أن تتحول النتيجة إلى تورط طويل، أو إلى حرب لا تنتهي؟

وهنا تحديدا يصبح طرح خمسة أسئلة أمرا ضروريا في هذه اللحظة الفارقة:

1/ماذا يريد ترامب فعليا من إيران؟ صفقة محدودة أم “استسلاما استراتيجيا”؟

2/هل تملك واشنطن خطة واضحة لليوم التالي للحرب؟ في الإقليم وفي الداخل الأمريكي؟

3/هل يمكن تحقيق أهداف كبيرة بخطوات محدودة؟ أم أن الضربة المحدودة ستفتح باب التصعيد دون حسم؟

4/إلى أي حد تستطيع إيران المناورة؟ وهل “تراجعها التكتيكي” شراء وقت أم بداية تآكل الردع؟

5/ومن يدفع المنطقة إلى حافة الاشتعال؟ واشنطن التي تلوح، أم تل أبيب التي تريد دفع الجميع إلى الانفجار؟

》》هذه الأسئلة تمثل قلب المعادلة: لأن الاتصالات التي تتزايد خلف الكواليس لا تعكس يقينا أمريكيا بقدر ما تعكس قلقا أمريكيا… من حرب قد تبدأ بقرار، لكنها قد تنتهي بفوضى لا يملك أحد مفاتيحها.

قوة عسكرية… لكن أزمة سياسية

حين تتحرك حاملات الطائرات، يتحرك معها معجم لغوي ثقيل تؤثثه كلمات مثل “الردع” و”الخطوط الحمراء” و”حماية الحلفاء” و”منع إيران من امتلاك سلاح نووي”.

》لكن الحقيقة الأكثر صراحة هي أن واشنطن لا تريد أن تبدو ضعيفة، لكنها أيضا لا تريد أن تتورط.

إنها تريد أن ترسل رسالة دون أن تتلقى جوابا مكلفا.

ولذلك فإن ما يبدو على سطح الأحداث أنه ضغط أمريكي على إيران، هو في العمق ضغط الزمن على واشنطن نفسها:

كيف تمسك العصا من المنتصف… دون أن تنكسر؟

يريد ترامب أهدافا كبيرة بخطوات محدودة، فهو يريد أن يغلق الملف الإيراني، لكن بأقل تكلفة، ويسعى إلى أن يضع إيران أمام “صفقة”، لكن دون أن يدخل في حرب شاملة.

غير أن هذه الرغبة الأمريكية تصطدم بجدار صلب: كل هدف تريده واشنطن يجر خلفه منطقا عملياتيا مختلفا، وقدرة مختلفة على التحكم في التصعيد.

ماذا يريد ترامب فعليا؟

يمكن تلخيص أهداف الإدارة الأمريكية بثلاثية واضحة:

أولا.. إنهاء تخصيب اليورانيوم

ثانيا.. إضعاف برنامج الصواريخ الباليستية

ثالثا.. تقييد “وكلاء” طهران

لكن حين نضيف إلى هذه الثلاثية هدفا رابعا يتكرر في خطاب ترامب وهو “القمع الداخلي” وملف حقوق الإنسان، فإن واشنطن تصبح عمليا أمام أربعة أهداف، والفارق بين الثلاثة والأربعة يمثل طبيعة الصراع.

》》فملف القمع الداخلي لا يفتح فقط باب الضغط، بل يفتح باب “الهندسة السياسية”، وهو الباب الذي كلما دخلته واشنطن خرجت منه متورطة، ولكم في ما حدث في العراق وأفغانستان أبسط مثال.

والأخطر أن هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها في ضربة واحدة.

》إذ أن الملف النووي يمكن تعطيله أو إبطاؤه لكن لا يمكن تصفيره بجراحة خاطفة، أما الصواريخ فهي ملف لا يلين بالتهديد بل يحتاج تدمير بنى الإطلاق والتخزين والقيادة والسيطرة، وهذا يفرض حملة عسكرية واسعة، والوكلاء شبكة لا يمكن طيها بالكلمات، و”القمع الداخلي” ليس منشأة يمكن قصفها بل جهاز دولة.

وهنا يصبح سؤال “النتيجة السياسية” للحرب.. هو السؤال الأكثر إزعاجا للإدارة الأمريكية.

سلم التصعيد… لا قرار واحد

ثم إن الخيارات الأمريكية المطروحة ليست قرارا واحدا، بل سلم تصعيد، يبدأ بضغط مدعوم بالتهديد وضربات محدودة ومن ثم حملة أوسع، وقد لا ينتهي الا بالاقتراب من فكرة تغيير النظام.

ولذلك، تحاول واشنطن أن تحافظ على الغموض كأداة تفاوض من خلال تهديد كاف لدفع طهران إلى تنازلات، دون إعلان سقف نهائي يقيد المناورة أو يحشر ترامب في زاوية أمام خصومه وحلفائه.

لكن الغموض لن يكون “دواء سحريا”، فهو قد يصلح في التفاوض لكنه لا يصلح في الحرب.

إذ إن التهديد من دون تنفيذ يستهلك نفسه، ويفقد الردع معناه، و”يجعل الخصم يختبر حدود القوة”.

صفقة… ولكن بشروط

من جهتها، تقول طهران إنها “منفتحة على مفاوضات عادلة”، لكنها ترفض التفاوض “تحت التهديد”، وتستبعد إدراج “قدراتها الدفاعية” أي الصواريخ، على طاولة التفاوض.

وهنا تبرز الهوة بين الطرفين، حيث تريد واشنطن صفقة أوسع تشمل النووي والصواريخ و”السلوك الإقليمي”، بينما تريد طهران تضييق نطاق النقاش إلى الملف النووي، ورفع العقوبات، وتقديم ضمانات.

》》ميزة المسار التفاوضي أنه يبقي تكلفة الحرب منخفضة، ويستخدم الحشد العسكري كرافعة ضغط، لكن ضعفه يمكن في أنه يقوم على فرضية نفسية: أن طهران ستصدق التهديد الأمريكي، فإذا لم تصدقه… يتحول الحشد إلى مجرد “رحلة بحرية”، وتتحول المفاوضات إلى لعبة “شراء الوقت”.

الضربة المحدودة… أخطر من حجمها

أما الخيار الثاني يتمثل في ضربات دقيقة ضد أهداف منتقاة تشمل منشآت مرتبطة بالنووي، أو قواعد صاروخية، أو مواقع عسكرية. وهذا يمنح ترامب “إنجازا سريعا” ينسجم مع تفضيله عمليات خاطفة.

لكن عمليا، الضربة المحدودة تضع واشنطن أمام مأزق مزدوج، فهي قد لا تحقق الأهداف المعلنة: لا تصفير للنووي، ولا شل للصواريخ.

ولكنها، في الوقت نفسه، تفتح باب الرد الإيراني على قواعد أمريكية وحلفاء إقليميين، وبذلك تتحول الضربة المحدودة إلى بداية تصعيد، لا إلى نهاية أزمة.

》وهذا هو التناقض القاتل: الضربة السريعة لا تنتج نتيجة حاسمة، والنتيجة الحاسمة تحتاج حربا واسعة.

الحملة الواسعة… وسؤال اليوم التالي

المسار الثالث الأثقل هو حملة واسعة تستهدف بنية الصواريخ، ومنظومات الردع، وأجهزة الأمن الداخلي، وربما تلامس فكرة إسقاط النظام.

لكن هذا المسار يصطدم بالسؤال الذي يكره صناع القرار الأمريكي سماعه:

فمن يحكم إيران في اليوم التالي؟

وماذا لو أعقب سقوط القيادة صعود تيار أشد تصلبا؟

كيف تدار الفوضى المحتملة في دولة كبيرة جغرافياً ومؤسساتيا؟

هل يمكن ضمان ألا تتحول إيران إلى نموذج “ليبيا أكبر”؟

وكيف ينعكس ذلك على أمن الخليج، وتل أبيب، والطاقة العالمية؟

》هذه الأسئلة تجعل خيار “الانهيار السريع” أقرب إلى مقامرة استراتيجية من كونه خطة مضمونة.

الداخل الأمريكي: الحرب ليست مجانية انتخابيا

وهنا تظهر النقطة التي تفسر جزء كبيرا من “التردد الأمريكي”،

فواشنطن في سنة انتخابية، والتجديد النصفي يقترب، والانقسام داخل القاعدة الجمهورية يتسع.

داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً داخل “حركة ماغا”، هناك حساسية عالية من التورط في حروب خارجية، وهؤلاء لا يريدون “حربا جديدة”، لأن سرديتهم الأساسية كانت دائما: “أمريكا أولا… لا “إسرا.ئيل أولا”.

وبالتالي، فإن ترامب أمام معادلة داخلية شديدة القسوة، فإن لم يضرب.. سيتهم بالضعف أمام إيران من قبل المحافظين التقليديين.

وإن ضرب وتورط، فسيتهم بخيانة خطابه، ويخسر جزء من قاعدته.

وهنا يصبح التفاوض ليس خيارا أخلاقيا… بل خيارا انتخابيا أيضا.

المقاربة الإيرانية: شراء الوقت وتفكيك التصعيد

ولا يمكن قراءة هذا المشهد من زاوية واشنطن وحدها، فطهران أيضاً لا تتحرك بمنطق “الانكفاء”، بل بمنطق إعادة التموضع.

فلا يبدو “التراجع التكتيكي” الإيراني تنازلا بقدر ما هو محاولة لشراء الوقت وتفكيك مسار تصعيدي تقوده تل أبيب، وسط تردد أمريكي واضح.

ولكن نجاح هذه المقاربة سيظل مرهونا بقدرة طهران على إبقاء التوازن الدقيق بين الردع والانفتاح، دون أن تمنح خصومها الذريعة التي يبحثون عنها.

فإيران تريد أن تقول “نحن مستعدون للتفاوض… لكننا لن دون ابتزاز”.

وفي الوقت نفسه تريد أن تقول “نحن قادرون على الرد… لكننا لا نريد الحرب”.

》وهنا يصبح الوقت نفسه سلاحا، غير أن اللعب بالوقت في الشرق الأوسط يشبه اللعب بعود ثقاب قرب خزان وقود، قد تشتري دقائق لكنه قد تشعل سنوات.

الخوف من “اليوم التالي”

》》》وعليه، فإن الاتصالات الأمريكية مع إيران لا يمكن قراءتها على أنها مجرد “انفتاح” أو “ليونة”، بقدر ما هي انعكاس لقلق أمريكي أعمق، إذ أنها لا تملك يقينا حول اليوم التالي للحرب… لا في المنطقة ولا في الداخل الأمريكي.

》》فإذا كان الهدف انتزاع تنازلات، فالغموض والضغط قد يكفيان، لكن بشرط أن تقتنع طهران بأن التهديد قابل للتنفيذ. وإذا كان الهدف إنفاذ خطوط حمراء على الصواريخ والقمع، فالأدوات المطلوبة أكبر بكثير، ما يعني تكلفة أعلى ومخاطر تصعيد أوسع.

وبين هذين “الحافتين”، تصبح حركة الأسطول قرب إيران أكثر من استعراض.. إنها اختبار لمصداقية التهديد وحدود القدرة الأمريكية على تحقيق “أهداف كبيرة” من دون أن تجر المنطقة إلى حرب طويلة لا يريدها أحد، لكن قد تفرضها ديناميكيات الرد والرد المضاد.

وبذلك، فإن أخطر ما في الأزمة ليس قرار الحرب بل قرار ما بعد الحرب.

》فالحرب قد تبدأ بضربة، لكن نهايتها ليست في يد من يطلق الضربة… بل في يد من يملك القدرة على التحكم في الفوضى.

والفوضى – كما يعرف الشرق الأوسط جيدا – لا تعترف لا بخطط البنتاغون، ولا بحسابات الانتخابات.

 

الكاتب: محمد علي بن عبد العزيز

الكاتب: Oussema Hkiri