الأخبار

الوحدات الخاصة للجيش والحرس: الدرع الصامت لبلد باكمله

today06/02/2026

Background

هل تملك خامة “الكوماندوس” فعلًا؟ بعيدًا عن الأوهام… الحقيقة المجرّدة لرجال النخبة في تونس.

قد يبدو السؤال عاديًا، لكنه يطلّ دائمًا من خلف صور التوثيق، وكأنها ملاحم صامتة: رجال أثقلهم العتاد، ونحت التعب ملامحهم، بنظرات حادة كالنصل. هل تصلح حقًا لتكون “كوماندوس”؟
كثيرون يجيبون بـ”نعم” غريزية، مدفوعين بحب التحدي أو وهم الشجاعة، غير أن واقع النخبة أبعد وأقسى بكثير مما يتخيله العقل.

هذا الإرث من التميّز لم يكن غريبًا عن أرض تونس. ففي مواجهة غدر الإرهاب خلال العشرية الأخيرة، أثبتت النخبة التونسية أن “الصلابة الداخلية” ليست مفهومًا نظريًا، بل صمّام أمان لبقاء الوطن وفداء السيادة. فحين تصبح المواجهة مفتوحة، لا يبقى في الميدان إلا من امتلك القدرة على الصمود تحت أقصى درجات الضغط.

لطالما أجمع المختصّون في الشأن العسكري والأمني على حقيقة جوهرية: أصحاب العضلات المفتولة ليسوا دائمًا هم الصامدون. فالكوماندوس ليس عدّاء مسافات قصيرة، بل رجل الصبر في الخفاء. من هنا، يبرز أسود فيلق القوات الخاصة (BFS) التابع لجيش البر، الذين جعلوا من “الجلَد” عقيدة راسخة .في تضاريس الجبال الوعرة والموحشة، تحت شمس حارقة أو صقيع ينهش العظام، لم تكن مهام هؤلاء الرجال استعراضًا للقوة، بل اقتفاءً لأثر غير مرئي، وقبضًا لأعالي القمم، وضربًا بدقة جراحية حيث لا يتوقعهم أحد. هناك، تصبح الطبيعة خصمًا إضافيًا، ويُقاس النجاح بمدى التحكم في النفس قبل التحكم في الأرض
.غير أن العمل النخبوي لا يتوقف عند القدرة على التحمل الجسدي.

فالتدريب، في جوهره، غربلة ذهنية قبل أن يكون إعدادًا بدنيًا. المسألة ليست في القوة، بل في من يبقى “موثوقًا” عندما ينهار كل شيء. هذه الموثوقية تمثل الحمض النووي لـلوحدة المختصة للحرس الوطني (USGN)، رأس حربة مكافحة الإرهاب في تونس.

لقد خطّت هذه الوحدة بعملياتها وبتضحيات عناصرها ملاحم بارزة، من تصفية الخلايا النائمة في عمق المدن إلى معارك بن قردان. هم الذين يقتحمون الموت حين يفرّ الجميع، وهم الذين يروّضون الفوضى بالانضباط والحديد، في بيئات لا تسمح بالخطأ ولا تمنح فرصة ثانية.

الكوماندوز الحقيقي لا يبحث عن المجد الشخصي، لأن “الأنا” هي أكبر خطر في الميدان. وحدات مثل BFS وUSGN لا تنتقي عناصرها بناءً على الرغبة في الظهور، بل على الاستقرار، وإتقان الصمت، والقدرة على الانتظار والطاعة. فالأصعب ليس الهجوم، بل البقاء ساكنًا في كمين لأيام وليالٍ، بينما تصرخ كل عصب في الجسد طلبًا للحركة.

بهذا الصبر “لافتراسي”، تمكّنت وحدات النخبة من استئصال الأورام الإرهابية وحماية الجمهورية. ورغم ذلك، يفشل كثير من المترشحين في بلوغ هذا المستوى، لا لنقص الطموح، بل لغياب تلك “الصلابة الروحية” غير المرئية؛ القدرة على البقاء شامخًا عندما يترنح الجسد ويبحث العقل عن مخرج.

في تونس، رجال القوات الخاصة ليسوا مجرد جنود، بل الدرع الصامت لبلد بأكمله. أن تكون “كوماندوس” لا يعني أنك تهوى الخطر، بل أنك تعرف كيف تتحمله برصانة. ولا يعني أن تتعالى على الآخرين، بل أن تقبل بأن تكون حلقة صلبة وفدائية في سلسلة لا تنكسر.

وفي زمنٍ تعجّ فيه الأضواء، يؤكد تاريخ هذه الوحدات حقيقةً راسخة وهي أن الأفضل ليسوا أولئك الذين تُسلَّط عليهم الأنظار، بل من يُعوَّل عليهم ساعة الشدّة، بلا أدنى شك.

 

بقلم جياد عويج

الكاتب: Rim Hasnaoui