أكد أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي، اليوم الخميس 12 فيفري 2026، أن ما عاشه المواطن التونسي من تدهور في مستوى معيشته خلال السنوات الأخيرة لا يمكن فهمه بالاعتماد على أرقام التضخم الرسمية وحدها، رغم أهميتها، لأنها لا تعكس بالكامل عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد منذ سنة 2015، والتي تسارعت حدّتها بعد جويلية 2021.
وأوضح الشكندالي، خلال تدخله ببرنامج “ايكو ماغ”، أن المعطيات التفصيلية المتاحة على موقع المعهد الوطني للإحصاء تبدأ من سنة 2015، باعتبارها سنة الأساس في احتساب التضخم. وخلال الفترة الممتدة من جانفي 2015 إلى جانفي 2026، ارتفع معدل التضخم من نحو 5 بالمائة ليبلغ ذروته في ماي 2023 عند 10.3 بالمائة، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى 4.8 بالمائة في جانفي 2026، وفق الأرقام الرسمية.
غير أن هذا التراجع، وفق ضيف البرنامج، لا يعني تحسنًا فعليًا في مستوى العيش، بل يعكس تباطؤًا في وتيرة ارتفاع الأسعار بعد أن بلغت مستويات مرتفعة يصعب التراجع عنها، معتبرًا أن التضخم يُقاس أيضًا بمدى قدرة المجتمع على امتصاص آثاره، لا فقط بنسبة ارتفاعه السنوية.
تضخم “معلن” وآخر “معاش”
وبيّن أستاذ الإقتصاد، أنه عند اعتماد تطور المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك خلال كامل الفترة من 2015 إلى 2026، فإن معدل التضخم السنوي بلغ في حدود 8.5 بالمائة على امتداد 11 سنة.
وفي قراءة مقارنة بين مرحلتين، أشار إلى أن الفترة الممتدة من جانفي 2015 إلى جانفي 2022، ورغم تسجيل تضخم سنوي في حدود 6.6 بالمائة، كانت انعكاساته الاجتماعية محدودة نسبيًا بفضل استمرار بعض آليات التعديل، من دعم وزيادات دورية في الأجور وتوسع الاستهلاك عبر التداين البنكي.
أما بعد 2022، فقد تغيّرت طبيعة الظاهرة، حيث ارتفع التضخم إلى معدل يقارب 8 بالمائة سنويًا، وأصبح أكثر تركّزًا في المواد الأساسية، في سياق اتسم بتباطؤ النمو وتراجع الاستثمار وارتفاع البطالة، إلى جانب تقلص قدرة الدولة والأسر على التكيّف. واعتبر أن سنة واحدة من التضخم المرتفع في اقتصاد هش قد تكون أشد أثرًا من عدة سنوات بتضخم متوسط في اقتصاد أكثر توازنًا.
وتوقف رضا الشكندالي، عند طبيعة المؤشر العام للأسعار عند الاستهلاك، موضحًا أنه يدمج بين مواد مدعّمة وأخرى غير أساسية وخدمات لا تمثل أولوية في إنفاق أغلب الأسر، ما يؤدي إلى ما وصفه بـ”التخفيف الإحصائي” لحدة الغلاء. وعند الانتقال إلى ما سماه بـ”التضخم المعيشي”، المرتبط بقفة استهلاك المواطن التي تمثل نحو 62.5 بالمائة من إنفاقه الشهري، تتضح صورة مختلفة، حيث سجلت المواد الغذائية الأساسية والكراء والصحة والتعليم والنقل زيادات ملحوظة ومتواصلة.
وأشار إلى أن ذلك أدى إلى توجيه الجزء الأكبر من دخل الأسر نحو تغطية النفقات الضرورية، على حساب الادخار أو تحسين مستوى العيش أو الاستثمار في التعليم والصحة.
فجوة الأجور وتآكل الطبقة الوسطى
وفي ما يتعلق بالأجور، أفاد الشكندالي بأنه، وبالاستناد إلى التضخم الرسمي، فإن الأجير الذي كان يتقاضى 500 دينار شهريًا في جانفي 2015 كان يفترض أن يبلغ أجره نحو 966 دينارًا في جانفي 2026 للحفاظ على نفس القدرة الشرائية، في حين يحتاج من كان يتقاضى 1000 دينار إلى حوالي 1933 دينارًا، ومن كان يتقاضى 1500 دينار إلى قرابة 2899 دينارًا.
أما عند اعتماد التضخم المعيشي المرتبط بالمواد الأساسية، فإن الأرقام ترتفع أكثر، إذ يُفترض أن يصل أجر 500 دينار إلى نحو 1041 دينارًا، وأجر 1000 دينار إلى حوالي 2083 دينارًا، وأجر 1500 دينار إلى أكثر من 3100 دينار. واعتبر أن الفجوة بين هذه المستويات النظرية والأجور الفعلية تفسّر التراجع الحاد في القدرة الشرائية، مشيرًا إلى أن الأجير التونسي لم يواجه فقط تجميدًا في الأجور، بل خفضًا غير معلن في أجره الحقيقي سنة بعد أخرى.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أرجع الشكندالي هذا المسار إلى جملة من الاختلالات، من بينها ارتفاع كلفة الإنتاج وأسعار الواردات، وتراجع قيمة الدينار، وضعف الإنتاج والاستثمار، إضافة إلى محدودية سياسات دعم الدخل، معتبرًا أن التضخم في تونس لم يكن نتيجة عوامل نقدية فحسب، بل يعكس خللًا أعمق في منوال النمو.
أما اجتماعيًا، فقد أشار إلى أن التضخم ساهم في إعادة تشكيل صامتة للبنية الاجتماعية، من خلال تآكل الطبقة الوسطى وارتفاع اعتمادها على القروض، مقابل توسع دائرة الهشاشة حتى داخل شرائح كانت تُعتبر مستقرة، إلى جانب تنامي اللجوء إلى الاقتصاد الموازي كآلية للتكيّف مع الضغوط المعيشية.
وخلص أستاذ الاقتصاد إلى أن مسار التضخم بين 2015 و2026 يكشف حدود المقاربة التي تعطي الأولوية للتوازنات المالية الكلية دون إرفاقها بسياسات دخل واضحة وعادلة، مؤكدًا أن أي تراجع اسمي في معدل التضخم سيظل دون أثر ملموس على حياة التونسيين ما لم تُستعد القدرة الشرائية المفقودة ويُعاد بناء عقد اجتماعي يربط بين العمل والإنتاج والعيش الكريم.