الأخبار

هل كانت قرطاج “فينيقية”؟ دراسة جينية تكشف الحقيقة المدهشة!

today29/04/2025

Background

في تحول مهم في فهمنا لأصول الحضارة القرطاجية، نشرت مجلة Nature العلمية يوم 23 أفريل 2025 دراسة رائدة كشفت عن نتائج غير متوقعة بخصوص الهوية الجينية لسكان قرطاج في العصور القديمة.

وقد قاد هذه الدراسة فريق دولي من علماء الوراثة من جامعة هارفارد الأمريكية ومعهد ماكس بلانك الألماني، مستخدمين تقنيات حديثة لتحليل الحمض النووي المستخرج من رفات بشرية قديمة في حوض البحر الأبيض المتوسط.

نتائج تصحّح السردية التقليدية

‎لطالما ساد الاعتقاد، استنادًا إلى الروايات القديمة والأساطير، أن مدينة قرطاج تأسست في القرن التاسع قبل الميلاد على يد أميرة فينيقية تُدعى علّيسة (ديدو)، هاربة من مدينة صور في لبنان الحالي. وقد مثّلت قصة “جلد الثور” رمزًا للدهاء السياسي وبداية حضارة عريقة نُسبت تقليديًا إلى الفينيقيين.

‎غير أن الدراسة الجديدة – التي تُعدّ الأوسع من نوعها – استندت إلى تحليل جينات 203 أفراد من مواقع أثرية شملت قرطاج وصقلية وسردينيا وجنوب إسبانيا، تعود إلى الفترة الممتدة من 1200 قبل الميلاد حتى 500 ميلادية. وأظهرت النتائج أن البصمة الجينية الفينيقية بين سكان قرطاج كانت ضئيلة للغاية، مقابل نسبة كبيرة من الأصول المحلية (شمال إفريقيا)، بالإضافة إلى مساهمات من سكان البحر الأبيض المتوسط، وخاصة من صقلية وسردينيا.

الفينيقيون: تأثير ثقافي لا سكاني

‎تُشير البيانات إلى أن الفينيقيين، رغم دورهم التجاري والثقافي البارز، لم يشكلوا غالبية السكان في قرطاج، بل اقتصر وجودهم على نخب محدودة. وقد تكون مساهمتهم الحضارية قد تمثلت في نشر الأبجدية والتقاليد الدينية وبعض الأساليب العمرانية، دون أن يترتب على ذلك استيطان جماعي كبير.

‎ومن اللافت أن الباحثين لاحظوا تغيرات ثقافية وديموغرافية حدثت في القرن السادس قبل الميلاد، منها اعتماد نمط جديد في الدفن (الانتقال من حرق الجثث إلى دفنها)، وتبني لغة جديدة تُعرف بالبونية، وهو ما يشير إلى عملية تفاعل داخلي عميقة بين سكان المنطقة، لا إلى هيمنة أجنبية.

إعادة قراءة للهوية القرطاجية

‎في ضوء هذه المعطيات، يصبح من الضروري إعادة تقييم السرديات التاريخية التي سادت لقرون، والتي اختزلت قرطاج في امتداد لفينيقيا. فالحضارة القرطاجية، كما تظهرها هذه الدراسة، هي نتاج بيئة شمال إفريقية ومتوسطية متنوعة، تطورت في تفاعل مع المحيط، ولم تكن مجرد استنساخ لحضارة شرقية.

‎وصرّح البروفيسور ديفيد رايش، أحد المشرفين على الدراسة، أن “هذه النتائج تُظهر بوضوح أن التحولات الثقافية الكبرى كانت مرتبطة بتحولات سكانية محلية عميقة، وليست نتيجة استيطان خارجي واسع النطاق”. كما شددت الباحثة البريطانية إيف ماكدونالد على أن “الانتماء إلى قرطاج لم يكن مسألة أصل جيني، بل علاقة بثقافة ومجتمع وهوية محلية”.

‎الدراسة المنشورة في Nature لا تلغي دور الفينيقيين في تاريخ قرطاج، لكنها تعيد وضعه في إطاره الصحيح: دور مؤثر ثقافيًا، لكنه محدود سكانيًا. ويبدو أن قرطاج لم تكن نتيجة “حيلة جلد الثور” فقط، بل كانت ثمرة قرون من التفاعل بين شعوب شمال إفريقيا والبحر المتوسط.

‎اليوم، يدعونا العلم – مرة أخرى – إلى أن نعيد النظر في الروايات التي تلقيناها، وأن نستند إلى الأدلة المادية والبحث العلمي لاستخلاص الحقائق.

‎فقرطاج، كما تؤكد هذه الدراسة، كانت حضارة تونسية الجذور والهوية، لا مجرد فرع لفينيقيا الشرقية.

ندى منصور

‎المراجع:

• Nature, 23 أفريل 2025.

• “Ancient DNA upends assumptions about Mediterranean populations” – phys.org

الكاتب: Rim Hasnaoui