play_arrow
Express Radio Le programme encours
وفي وثيقة صادرة بتاريخ 23 جويلية 2026 تحت عنوان “تونس أمام مفترق الطرق: التحديات الكبرى ومفاتيح الخروج من الأزمة”، أبرز الاتحاد أن البلاد تواجه ضغوطا متزايدة على مستوى المالية العمومية والطاقة والاستثمار والقدرة الشرائية، معتبرا أن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب الإمكانيات، بل في ضعف الحوكمة وتشتت الأولويات وغياب توافق وطني حول الإصلاحات الكبرى.
وأشار التقرير الصادر عن إتحاد الشغل إلى أن أزمة المالية العمومية تبقى من أبرز التحديات التي تواجه تونس، حيث ارتفع الدين العمومي إلى أكثر من 82 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل أقل من 68 بالمائة قبل جائحة كورونا، وهو ما أدى إلى ارتفاع كلفة خدمة الدين وتقليص هامش الدولة للاستثمار في قطاعات حيوية على غرار الصحة والتعليم والبنية التحتية والتنمية الجهوية.
كما أشار التقرير إلى أن تعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي قلص من فرص الحصول على تمويلات خارجية ميسرة، ودفع نحو مزيد من الاعتماد على الاقتراض الداخلي، بما يفرض ضغوطا إضافية على السيولة والاستثمار الخاص.
واعتبر الاتحاد أن ضعف النمو يمثل أحد أبرز معوقات تجاوز الأزمة، مشيرا إلى أن توقعات النمو في حدود 2.1 بالمائة لا تزال غير كافية لاستيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل أو تقليص نسب البطالة والفوارق الاجتماعية.
كما أكد التقرير أن الاقتصاد الذي يحقق نسب نمو أقل من 3 أو 4 بالمائة سنويا يواجه صعوبات في تمويل حاجياته الاجتماعية وتحقيق تنمية مستدامة، داعيا إلى تغيير النموذج الاقتصادي نحو الاستثمار والإنتاجية وخلق القيمة المضافة.
وشدد تقرير إتحاد الشغل على أن تونس انتقلت تدريجيا من بلد يتمتع بدرجة من الاكتفاء الطاقي إلى بلد يعتمد بشكل متزايد على واردات الغاز والنفط، مما جعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، مشيرا إلى أن ارتفاع فاتورة الطاقة ينعكس على الميزان التجاري واحتياطي العملة الصعبة، إضافة إلى زيادة الضغط على منظومة الدعم.
كما تطرق التقرير إلى تحديات قطاع الكهرباء، مؤكدا أن ارتفاع الطلب يتطلب استثمارات كبرى في محطات الإنتاج والشبكات، في وقت لا تزال فيه الطاقات المتجددة دون المستوى المأمول، رغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها تونس في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأكدت الوثيقة الصادرة عن إتحاد الشغل أن الهدف الوطني المتمثل في بلوغ 30 بالمائة من إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة في أفق 2030 يحتاج إلى تسريع نسق الإنجاز وتوفير ظروف الاستثمار المناسبة.
وحذر الاتحاد في تقريره من استمرار الضغوط التضخمية، مشيرا إلى أن توقعات بقاء التضخم في حدود 6.5 بالمائة تعني استمرار تراجع القدرة الشرائية للأسر وتآكل الأجور الحقيقية، موضحا أن التضخم لا يؤثر فقط على المواطنين، بل ينعكس أيضا على المؤسسات الاقتصادية من خلال ارتفاع كلفة التمويل والاستثمار، بما يحد من قدرتها على التوسع وخلق مواطن شغل جديدة.
وأوضح التقرير أن ضعف الاستثمار الخاص وتراجع ثقة المستثمرين يمثلان عائقا أمام استعادة النمو، داعيا إلى تحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات الإدارية وتسريع آجال إنجاز المشاريع.
في المقابل حذر التقرير من تداعيات هجرة الكفاءات، معتبرا أن تونس تخسر جزءا مهما من رأسمالها البشري بعد سنوات من الاستثمار في تكوين المهندسين والأطباء والباحثين الذين تستفيد منهم اقتصادات أخرى.
وتطرق التقرير إلى الأمن المائي والتغيرات المناخية، مؤكدا أن تراجع الموارد المائية وتواتر فترات الجفاف أصبحا يمثلان تهديدا مباشرا للتنمية الفلاحية والصناعية، داعيا إلى اعتماد سياسات جديدة لإدارة المياه، تقوم على ترشيد الاستهلاك، وتطوير مشاريع تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه المعالجة.
وأكد الاتحاد أن تجاوز الوضع الحالي لا يمكن أن يعتمد فقط على الحلول المالية، بل يتطلب إصلاحا عميقا في منظومة الحوكمة، يقوم على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ورقمنة الإدارة وتحسين جودة الخدمات العمومية، مشددا على أهمية إصلاح المؤسسات العمومية عبر عقود أهداف واضحة وتقييم دوري للأداء، مع فتح المجال أمام شراكات مدروسة مع القطاع الخاص.
واعتبر إتحاد الشغل أن الحوار الاجتماعي يمثل عنصرا أساسيا لإنجاح الإصلاحات الكبرى، خاصة في ملفات الدعم والمؤسسات العمومية والجباية، مشددا على أن الإصلاحات تحتاج إلى توافق واسع يضمن توزيع أعبائها بشكل عادل ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي.
ودعا تقرير إتحاد الشغل إلى اعتماد سياسة اقتصادية بعيدة المدى تقوم على دعم الاستثمار المنتج، والاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي وتشجيع الابتكار والمؤسسات الناشئة، مؤكدا أن تونس لا تفتقر إلى المقومات الضرورية للنهوض، بالنظر إلى موقعها الجغرافي ورصيدها البشري وبنيتها التحتية وانفتاحها على الأسواق الأوروبية والإفريقية، إلا أن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو مستدام يبقى رهين توفر إرادة إصلاحية واضحة ورؤية اقتصادية طويلة المدى تقوم على الثقة والاستثمار والإنتاجية.
وخلصت الوثيقة الصادرة عن قسم الدراسات و التوثيق بالإتحاد العام التونسي للشغل إلى أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة، وأن قدرة تونس على تجاوز أزمتها ستتوقف على مدى نجاحها في بناء نموذج اقتصادي أكثر صلابة، قائم على الحوكمة الجيدة والعدالة الاجتماعية واحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
الكاتب: Oussema Hkiri
الإتحاد العام التونسي للشغل الوضع الإقتصادي الوضع الإقتصادي في تونس قسم الدراسات و التوثيق