الأخبار

هادي دحمان: رغم مرور أكثر من 21 عام… مشروع الكنام لم يكتمل

today14/07/2026

Background

أكد المختص في أنظمة الضمان الاجتماعي، الهادي دحمان، اليوم الثلاثاء 14 جويلية 2026، أن مشروع الصندوق الوطني للتأمين على المرض (الكنام)، الذي أحدث سنة 2004، لم يكتمل إلى حد الآن، رغم مرور أكثر من 21 سنة على تأسيسه، معتبرا أن الإصلاحات التي رافقت إحداثه لم تنجز بالكامل، وهو ما انعكس سلبا على جودة الخدمات واستدامة المنظومة.

وأوضح دحمان في مداخلته في برنامج الشارع التونسي، أن إنشاء الصندوق جاء في إطار برنامج إصلاحي مدعوم من الاتحاد الأوروبي، بهدف توحيد منظومة التأمين الصحي بين القطاعين العام والخاص، والوصول إلى تغطية صحية تشمل ما لا يقل عن 93% من التونسيين، إلى جانب إصلاح المنظومة الصحية العمومية وتأهيل المستشفيات. غير أن هذين الهدفين، لم يتحققا، وفق تعبيره، بل شهد القطاع الصحي العمومي تراجعا متواصلا.

وأضاف هادي دحمان بأن الصندوق يعتمد في موارده على المساهمات الاجتماعية التي يدفعها الأجراء وأصحاب العمل، إلا أنه لا يتمتع إلى اليوم بالاستقلالية المالية الكاملة، إذ لا يزال استخلاص مساهماته يمر عبر الصناديق الاجتماعية الأخرى، وهو ما يؤثر في سيولته المالية وقدرته على الإيفاء بالتزاماته تجاه مقدمي الخدمات الصحية، مشيرا إلى أن الصندوق يعاني حاليا من أزمة سيولة رغم أن موارده المحاسبية النظرية كافية لتغطية نفقاته، وهو ما أدى إلى تأخر خلاص مستحقات الصيادلة، ومخابر التحاليل، ومراكز تصفية الدم، فضلا عن التأخير في استرجاع مصاريف العلاج للمضمونين الاجتماعيين، بعد أن كانت الآجال المستهدفة لا تتجاوز عشرة أيام، بينما أصبحت اليوم في حدود شهرين.

وأكد الخبير في منظومة الحماية الاجتماعية أن هذه الصعوبات تسببت في احتجاجات متكررة من قبل مقدمي الخدمات الصحية، وهددت استمرارية بعض الاتفاقيات، على غرار منظومة طبيب العائلة، كما دفعت عددا من المواطنين إلى اللجوء للقضاء للمطالبة بحقوقهم، مشيرا إلى أن الأهداف المرسومة عند إحداث الصندوق لم تتحقق، ونسبة التغطية الفعلية لا تتجاوز اليوم 63 إلى 64 بالمائة من السكان، في حين يشتغل نحو مليونين ونصف المليون تونسي في الاقتصاد الموازي خارج منظومة الضمان الاجتماعي، ما يحرمهم من التأمين الصحي والتقاعد.

كما أشار الهادي دحمان إلى أن الصندوق يوفر ثلاث منظومات للتغطية الصحية، تتمثل في منظومة العلاج بالمؤسسات الصحية العمومية، وهي الأكثر اعتمادا من قبل المنخرطين، منظومة استرجاع المصاريف بعد دفع كلفة العلاج، ومنظومة طبيب العائلة التي يتحمل فيها المؤمن جزءا من الكلفة، بينما يتولى الصندوق خلاص الباقي مباشرة، موضحا أن نحو 70% من المنخرطين يختارون العلاج في القطاع العمومي، مقابل حوالي 20% يستفيدون من استرجاع المصاريف، و10% فقط يعتمدون منظومة طبيب العائلة، مرجعا ذلك إلى تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة العلاج في القطاع الخاص.

كما لفت دحمان إلى أن الإنفاق الصحي يمثل ما بين 28 و30% من ميزانية الأسرة التونسية، خاصة بالنسبة للأطفال وكبار السن، مؤكدا أن تدخل الصندوق في تغطية الأمراض المزمنة والخطيرة يجنب آلاف العائلات أعباء مالية باهظة.

واعتبر هادي دحمان أن تونس ما تزال تعتمد مقاربة تركز على التعويض أكثر من الوقاية، إذ تخصص حوالي 90% من الموارد للتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية، مقابل 10% فقط للوقاية، في حين تعتمد الدول المتقدمة المعادلة المعاكسة، داعيا إلى تحيين قائمة الأمراض المهنية لتشمل الأمراض الحديثة المرتبطة بالتطور التكنولوجي، مثل الاضطرابات النفسية والعصبية، والإجهاد المهني، وأمراض الجهاز العضلي الناتجة عن العمل المطول أمام الحاسوب، مشيرا إلى أن أنماط العمل الجديدة، والعمل عن بعد، أفرزت مخاطر صحية لم تعد التشريعات الحالية تستجيب لها.

كما شدد الخبير في منظومة الحماية الاجتماعية، على ضرورة إدماج المهن الجديدة، مثل عمال المنصات الرقمية وخدمات التوصيل والمساعدة المنزلية، ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، حتى لا يبقى العاملون فيها خارج التغطية الصحية والاجتماعية.

وختم ضيف برنامج الشارع التونسي مداخلته بالتأكيد على أن التحولات الديمغرافية التي تعرفها تونس، وارتفاع أمل الحياة إلى معدل 75 سنة، وتزايد نسبة كبار السن، تفرض مراجعة شاملة لمنظومة الضمان الاجتماعي والتأمين على المرض، بما يضمن استدامتها المالية، ويحافظ على الحق الدستوري في الصحة، ويواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية وسوق الشغل في المستقبل.

الكاتب: Oussema Hkiri