play_arrow
Express Radio Le programme encours
today27/06/2026
واتخذت الدولة خلال الفترة من 2021/2020 حسب المصدر ذاته، قرارات متتالية لتجميد أسعار البيع وتسقيفها، بينما كانت كلفة الانتاج الحقيقية تشهد ارتفاعا متتاليا نتيجة اضطراب أسعار الأعلاف
وفي اوت 2024، أصدرت وزارة التجارة أمرا وزاريا يقضي بفرض سقف اداري صارم ومباشر على أسعار اللحوم الحمراء. وحدد الأمر سعر لحم الضأن المحلي ب43 دينار للكلغرام الواحد لكن بيع، واقعيا، بسعر يتراوح بين 45 و 50 دينار للكلغرام الواحد رغم السقف الاداري.
وخلال سنة 2026 ونتيجة لسنوات من النزيف وتصفية الرصيد الحيواني دخلت منظومة اللحوم الحمراء مرحلة ندرة العرض وفقدان التوازن تماما. وقفز سعر كيلغرام لحم الضأن في المحلات والأسواق الحرة ليتراوح بين 60 و 80 دينارا فيما أصبح السعر الإداري النظري متوفرا فقط في نقاط بيع شركة اللحوم وبكميات محدودة.
وفي السنة ذاتها، برزت مفارقة اقتصادية لافتة، اذ شهدت أسعار أضاحي العيد واللحوم الحمراء ارتفاعا قياسيا غير مسبوق رغم تسجيل تراجع في أسعار الأعلاف المركبة والخشنة محليا بنسبة قاربت 25 بالمائة مقارنة بالموسم السابق.
هذا الانفصال بين هبوط كلفة العلف وصعود سعر المنتج النهائي يثبت ، وفق ورقة المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، أن المنظومة لم تعد تعاني من مشكلة كلفة تشغيلية مباشرة فحسب، بل باتت تحت رحمة ندرة حادة في العرض (شح الرصيد الحيواني) نتيجة سنوات تصفية القطيع.
عكست أسعار أضاحي 2026 إنهيارا عاما في العرض، إذ تراوحت الأسعار الحقيقية للخروف الحي بين 1300 و1500 دينار كمعدل عام، وتجاوزت حاجز الـ 2000 دينار للأضاحي ذات الأحجام الكبيرة. وبذلك تصدرت تونس قائمة البلدان العربية من حيث غلاء أسعار اللحوم مقارنة بمقدرتها الشرائية.
وأشار البحث الى أن سياسة التسقيف أنتجت مفعولا عكسيا، فبدل حماية المستهلك، تسببت هذه السياسة في موجة تضخم غير مسبوقة، تضاعف فيها السعر ثلاث مرات مقارنة بسنة 2020.
كما أكد أنه من التداعيات السلبية الإضافية لسياسة تسقيف الأسعار، تزايد نشاط شبكات التهريب والأسواق الموازية، فالأسعار المنخفضة خلقت دافعا إقتصاديا للمهربين،وفق ورقة البحث، لتهريب القطعان حية عبر الحدود نحو ليبيا والجزائر حيث تباع الماشية بأسعار حرة ومجزية جدا للمربين.
واعتبر معدو الورقة ان هذا الأمر تسبب في تجفيف الأسواق التونسية عبر تهريب القطعان الحية نحو الأسواق المجاورة.
وخلصت الورقة إلى أن تجاهل التحذيرات، والتمسك بسياسة “تسقيف الأسعار ” في قطاع اللحوم الحمراء كلها عوامل أدت إلى تراجع العرض بفعل تراجع قطيع الأبقار بنسبة تتراوح بين 20 بالمائة و 35 بالمائة منذ سنة 2019 وارتفاع أسعار الأضاحي خمسة أضعاف خلال 25 سنة، لتصل إلى مستويات قياسية في سنة 2026 .
وأعتبرت أن منظومة اللحوم الحمراء في تونس تعيش حالة من تراجع الرصيد الحيواني نتيجة عدم توازن الكلفة مع أسعار البيع المفروضة إداريا.
وكان الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري قد اشار منذ سنة 2021 الى أن الأزمة تتجاوز مجرد تراجع في أعداد القطيع إلى تغيرات هيكلية في الخارطة الفلاحية واستنزاف للميزان التجاري.
ويمكن حصر هذه التغيرات في نقطتين رئيسيتين، تتمثل الأولى في انحسار المساحات الرعوية وتغير نمط الانتاج مع الاختفاء التدريجي لمساحات المراعي الطبيعية نتيجة التغيرات المناخية وتوسع غراسات أخرى أكثر ملائمة للظروف الحالية بحثا عن ربحية بديلة. وتمثل ولاية سيدي بوزيد نموذجا لهذا التحول الهيكلي اذ تحولت من المرتبة الاولى وطنيا في تربية الاغنام وإنتاج اللحوم الحمراء، إلى المرتبة الاولى في إنتاج الزيتون.
فيما تتعلق النقطة الثانية بكلفة التوريد، اذ أدى هذا التآكل في القطيع المحلي إلى اللجوء الى سد الفجوة عبر التوريد، وهو ما أكدته أرقام المعهد الوطني للاحصاء لسنة 2024 اذ بلغت كلفة واردات اللحوم الحمراء 55 مليون دينار، في حين تبلغ كلفة واردات الحليب ومشتقاته بقطاع الابقار240 مليون دينار. وتكشف هذه الارقام حجم الضغط المسلط على احتياطي العملة الصعبة جراء تعطل حلقات الانتاج المحلي.
واشارت الورقة التي اعدها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، الى أن ازمة اللحوم في تونس لا تقتصر على الاشكاليات الهيكلية وسياسات الأسعار فحسب بل ترتبط ارتباطا وثيقا بالتراجع الحاد في مؤشرات الانتاجية والخصوبة داخل القطاع مقارنة بالمعايير العلمية والمستويات العالمية.
وبخصوص مؤشرات الخصوبة والتكاثر لدى الأغنام ، يعاني قطيع الأغنام التونسي من ضعف إنتاجي واضح، اذ يبلغ معدل الخصوبة السنوي الحالي أقل من 80 بالمائة في حين تشير الأهداف الانتاجية والتقنية القياسية إلى ضرورة أن يتجاوز هذا المعدل نسبة 90 بالمائة كحد أدنى لضمان ديمومة القطاع.
من جهة اخرى تسجل المنظومة التونسية معدلات نفوق مرتفعة تتراوح بين 10 بالمائة و 20 بالمائة بينما يكمن الهدف السليم في النزول بهذه النسبة إلى أقل من 8 بالمائة عبر الاحاطة البيطرية المستمرة.
وتعزي ورقة البحث هذا التدهور في مؤشرات الخصوبة إلى عدة عوامل هيكلية وفنية، أبرزها، سوء التغذية المزمن، والمنظومة الغذائية غير الملائمة التي تخضع لها القطعان نتيجة غلاء الاعلاف واعتماد المربين على تقليص الحصص الغذائية لخفض التكاليف وتستأثر التغذية والاعلاف بنسبة تتراوح بين 70 بالمائة إلى 80 بالمائة من الكلفة الاجمالية للانتاج في تونس.
الكاتب: Oussema Hkiri
المعهد العربي لرؤساء المؤسسات تسقيف الأسعار منظومة اللحوم الحمراء